القاضي عبد الجبار الهمذاني

210

تثبيت دلائل النبوة

فلما غلبت الروم على بني إسرائيل وملكت مصر والشام والجزيرة ، وأخذت الناس بهذا الدين بالرغبة والرهبة كما بيّنا وكما ترى وتشاهد ، أسرعت القبط إلى ذلك ، وخالطت الروم قبائل العرب من غسان وغيرها بالشام فدعتها إلى النصرانية ، وبذلت لها الملك ، وذكروا لهم دين المسيح وما يذهبون إليه من المعجزات التي ذكرناها ، فسهل ذلك عليهم وهم كانوا عبّاد أصنام ، فلم يبعد عليهم ذلك . وقد صار في هذه الأمة من يسلك هذا السبيل ، ويؤكد دعواه بادّعاء الآيات والمعجزات والتواريخ والأيام ، كادّعاء الحنبلية ان المعتصم بن الرشيد لما ضرب أحمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره ، وان المعتصم وتلك الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ضربه وخضع له وسأله بعد أن اعتذر إليه ان يحله فأجابه احمد إلى ذلك ، فخلع عليه وكرمه ، وسأله ان يدعو له ، وصرفه إلى منزله . ويدّعون لمعروف الكرخي وغيره ما قد علمت « 1 » . وادّعى آخرون ان رسول اللّه « 2 » صلّى اللّه عليه وسلم استخلف على أمته رجلا بعينه ، وان أمته اجابته إلى ذلك وأظهرت السمع والطاعة ، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) كانت محنة الامام أحمد بن حنبل ( توفي سنة 241 ) بسبب موقفه الصلب الذي اتخذه في مشكلة القرآن هل هو مخلوق أم قديم ، فقد كان من رأي المعتزلة أصحاب السلطة آنذاك ان كلام اللّه فعله فهو مخلوق ، وقد حاولوا ان يأخذوا الناس والعلماء بعقيدتهم واضطر الكثيرون إلى مجاراتهم بسبب ضغط خلفاء بني العباس : المأمون والمعتصم والواثق وبتأثير كبير وزرائهم احمد ابن أبي دؤاد ، الا ان الإمام ابن حنبل رغم التعذيب على رأيه من أنه لا يطلق على القرآن لفظا يرد فيه نص . وقد أحيطت محنته بمبالغات كثيرة ، اما معروف الكرخي فينسب له الصوفية كثيرا من الكرامات ، توفي سنة 200 ه ( 2 ) عبارة « ان رسول اللّه » مكررة في الأصل .